صديق الحسيني القنوجي البخاري

71

فتح البيان في مقاصد القرآن

أو الحاكم ، لأنهما رسولان شاهدان ، فليس إليهما التفريق ، ويرشد إلى هذا قوله إن يريدا أي الحكمان إصلاحا يوفق اللّه بينهما لاقتصاره على ذكر الإصلاح دون التفريق . ومعنى إن يريدا إصلاحا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما أي يوقع الألفة والموافقة بين الزوجين حتى يعودا إلى الألفة وحسن المعاشرة ، ومعنى الإرادة خلوص نيتهما لصلاح الحال بين الزوجين . وقيل إن الضمير في قوله بينهما للحكمين كما في قوله : إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً أي يوفق بين الحكمين في اتحاد كلمتهما وحصول مقصودهما ، وقيل كلا الضميرين للزوجين أي إن يريدا إصلاح ما بينهما من الشقاق أوقع اللّه به بينهما الألفة والوفاق . وإذا اختلف الحكمان لم ينفذ حكمهما ولا يلزم قبول قولهما بلا خلاف ، وعن ابن عباس قال : بعثت أنا ومعاوية حكمين فقيل لنا إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما ، والذي بعثهما عثمان . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً يعلم كيف يوفق بين المختلفين ويجمع بين المتفرقين ، وفيه وعيد شديد للزوجين والحكمين أن سلكوا غير طريق الحق . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 36 ] وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً ( 36 ) وَاعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحّدوه وأطيعوه ، وعبادة اللّه عبارة عن كل فعل يأتي به العبد لمجرد اللّه ويدخل فيه جميع أعمال القلوب وأفعال الجوارح وَلا تُشْرِكُوا بِهِ العطف للتأسيس و شَيْئاً إما مفعول به أي شيئا من الأشياء من غير فرق بين حي وميت وجماد وحيوان ، وإما مصدر أي شيئا من الإشراك من غير فرق بين الشرك الأكبر والأصغر ، والواضح والخفي . وَ أحسنوا بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً برّا ولين جانب ، وقد دل ذكر الإحسان إليهما بعد الأمر بعبادة اللّه والنهي عن الإشراك به على عظم حقهما ، ومثله أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ [ لقمان : 14 ] فأمر سبحانه بأن يشكرا معه وهو أن يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما ويسعى في تحصيل مرادهما والإنفاق عليهما بقدر القدرة ، وقد وردت أحاديث كثيرة في حقوقهما وهي معروفة . وَبِذِي الْقُرْبى أي صاحب القرابة وهو من يصح إطلاق اسم القربى عليه وإن كان بعيدا ، وقيل ذو رحمة من قبل أمه وأبيه ، وعن أنس بن مالك قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من سرّه أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل